ليس دفاعاً عن الصادق المهدي، ولكن لا خير فينا إن لم نقلها

by محمد جلال أحمد هاشم



في الطبعة الثامنة من كتابي (منهج التحليل الثقافي: مشروع الدولة الوطنية السودانية وظاهرة الثورة والديموقراطية) الصادر في الخرطوم (Khartoum) عن الدار البيضا للنشر والتوزيع أواخر شهر أكتوبر 2018م، تناولت ضمن الآثار السالبة لنظام الإنقاذ وتحديات تصفية تركة الإنقاذ، حتى بعد انقضاء أجلها، ظاهرة أسميتُها "فاتيّات السياسة". وهي تسمية أخذتها من قصيدة لسيد أحمد الحاردلو في هجاء أحد سفهاء الإسلاميين إذ وصفه بجملة "فاتيّة النظام". وقد تلخصت وجهة نظري أنه في زمن الانحطاط، وكأثر مباشر لانحسار الفكر والمفكرين الذين كانوا يسوّقون ويزيّنون الأيديولوجيا السائدة (هنا الأيديولوجيا الإسلاموعروبية) جرّاء مرورها بمرحلة الانفجار ideological crash، دون أن تتمكن الحركة الفكرية والثقافية الناهضة من الإمساك بدفة الأمور للوصول بسفينة المجتمع إلى بر الأمان- قلتُ هنا يبرز الساقطون في المشهد السياسي العام ( Sudan's Political Scene) ليلعبوا دور ضمير الأمة. ويتلخص تكتيكهم بكل بساطة في الإزدراء بالناس وبرموزها، متسلحةً بالابتزاز والإرهاب والمزايدة. فتراهم يُقبلون اليوم على فلان، فيكيلون له من الشتائم ومقذع القول، فاحشِه، ما يؤمّل فيه أن يُلحق به الزراية في أعين الخاصة والعامة. وبما أنه لا توجد عادةً شخصية عامة بلا أعداء، عقلاء أو غير عقلاء، تكون هناك غِبطة مكتومة إزاء هذه الزراية الفاجرة لدى بعض عصافيري الأحلام من ذوي الموجدة السياسية وتغابنها. كما، في الجانب الآخر، يخشى المشفقون على أنفسهم أن تُصيبهم هذه الجائحة، فتراهم يلتزمون الصمت ويقفون موقف المتفرج. وما درى الفريقان أن دوائر الانحطاط سوف تدور عليهم وأنه، إن عاجلا أو آجلا، سوف تشملهم جائحة هؤلاء "الفاتيّات" وستنالهم بدورهم الزراية الفاجرة. وناقشنا كيف ينبغي التصدي لهذه الظاهرة بشجاعة وقوة وحسم بوصفها جزءاً من ظاهرة الإنقاذ المضادة، كونها تتظاهر بأنها تعارض الإنقاذ، بينما هي في الحقيقة تمثل الوجه الآخر للإنقاذ بموجب عملة اسمها الانحطاط.

وهكذا رأينا وسمعنا كلنا ولا زلنا نعايش جائحة التسجيلات الصوتية والمرئية المشحونة بالسباب والشتيمة وفاحش القول فاجره فيما يعرف في الثقافة السودانية بمسمى "الفاتيّة" الذين أعجزتهم الكتابة الناهجة، فوجدوا ضالتهم في التسجيلات الصوتية والمرئية، استسهالا للكلام وتسفيها للأحلام.

ولا ينبغي أن يتوجه اللوم إلى من يقعون تحت طائلة مسمى "فاتيّة"، فهؤلاء موجودون في كل زمان ومكان، منحصرين في دوائرهم المغلقة (قاعدين في علبهم)، ولا يخلو منهم مجتمع؛ وما بروزُهم في المشهد العام إلا بسبب الفراغ الذي يحدث في الحالات الاستثنائية التي يكون فيها ضمير المجتمع عالقا in a limbo. لكن العلة في تمدد واندياح دائرة الانحطاط التي كلما زادت، كلما جعلت ضحاياها من عامة الشعب ومثقفيه أكثر قابلية للالتفات إلى سفه "الفاتيّات" وساقط قولهم وفاحشه وفجورهم، ما يجعلهم يستأسدون حتى تراهم يستعرضون الناس في الطرقات، طرقات الفكر والسياسة والمجتمع شتما وتسفيها.

في هذا السياق برزت مؤخرا تلك التسجيلات من إحدى أبرز رموز ظاهرة "فاتيات" عصر الانحطاط، فيها تطعن في نسب الصادق المهدي، بين جملة تسجيلات أخرى تكيل فيها من السباب والشتائم وفاحش القول فأجره لأبنائه الأفاضل وبناته الفضليات ما تصطكُّ له المسامع.

الصادق المهدي، بالنسبة لقطاع كبير من الساسة والمثقفين وكاتب هذه السطور واحد منهم، فيه من العيوب السياسية والفكرية وحتى السلوكية ما يكفي لسلخ التاريخ كله في تدبيج النقودات والتحليلات ثم الإدانة له، دون الانزلاق إلى حمْأة الفجور، ودون التخلّي عن العقل العاقل للعاطفة أو القلب الواجب بالحب وحنان الإنسانية المطلقة. فحتّى إذا صدق ما تقوله هذه "الفاتيّة" في حقه ونسبه (وهو كلام باطل ومغلوط من أساسه للعالمين ببواطن الأمور ونربأ بأنفسنا عن أن نبذل مقدار ثانية من الزمن لكشف هُرائه وإلا كنّا أضفينا عليه من المصداقية ما يجعله أهلا للرد)، فآخر ما ينبغي أن يُسأل عنه المرء ماذا فعل به والداه. هذا وإلا كنا قد حكمنا
على الأطفال مجهولي الأبوين بالإعدام اجتماعيا وسياسيا.

وبعد، لسنا من نقف مدافعين عن الصادق المهدي، فهو ليس بمعقود اليد أو اللسان، مغلولهما. لكنا هنا ندافع عبره عن قيم هذا الشعب الصابر ونبذل الجهد، جهد المُقِلّ، حتى لا يُساق نحو حمأة الانحطاط والسقوط في زمن الانحطاط هذا. وإنما لهذا أعلنّا مرارا وتكرارا تحفّظاتنا على "موضة" التسجيلات الصوتية والمرئية، محاربةً منا لظاهرة "الفاتيّات السياسية" التي فشت وطغت مؤخرا. لقد آن الأوان ليعلن كل مثقف ويحدّد موقفه من هذه الظاهرة المنحطّة. أما الذين يزورّون عن المواجهة فسيأتي يوم تدور عليهم فيه الدوائر وعندها سوف يعلمون أيّ منقلبٍ ينقلبون.

محمد جلال أحمد هاشم
الخرطوم 8 ديسمبر 2018م





* You are at Invitation 1 HOAs Friends 150: ليس دفاعاً عن الصادق المهدي، ولكن لا خير فينا إن لم نقلها: https://www.hoa-politicalscene.com/invitation-1-hoas-friends150.html.

* Read the entry page at https://www.hoa-politicalscene.com/sudanese-sectarian-parties.html Sudanese Sectarian Parties.

* Read Arabic HOA Political Scene & please respond to the HOA Calls.

* Subscribe to HOA Political Scene Newsletter.

* Read comments on Sudan at:

Are You Intellectual 109: المليشيا ترتكب مجزرة في نيرتتى في قلب دارفور| Are You Intellectual 109: المليشيا ترتكب مجزرة في نيرتتى في قلب دارفور Comments|Are You Intellectual 119: استمرار مصادرة الرأي ومحاصرة الاعلام باجراءات متعسفة| Are You Intellectual 126 - نظام سوداني ارهابي شمولي، ميزانيته ضيق وسرقة وشعب مغلوب علي أمره| Are You Intellectual 133: جريدة الميدان وجماهيرها يدينون تجزئة السودان وبيع أراضيه للطفيلية العربية والسودانية| Are You Intellectual 134: التقارير الأقتصادية الأخيرة في الخرطوم تشير الي تدهور اقتصادي سوداني خطير| المعارك في جنوب السودان تبدد أحلام الإستقرار| قوانين مجحفة ضد الحريات الاساسية في السودان| الحملة الوطنية العالمية لمواجهة المرحلة الجديدة للإبادة الجماعية في جبل مرة ودارفور| استمرار النظام المهووس دينيا في السودان في جرائمه ضد حقوق الانسان| رئيس جهاز الأمن والمخابرات السودانية يوجه رئيس النظام الديكتاتوري السوداني| نظام السودان العسكري الديني يحرق جبل مرة لجعله قاعدة للأرهاب الدولي| حقوق الانسان في السودان| Invitation 1 HOAs Friends 49 - مجازر المليشيات تتواصل في الجنينة بدارفور| Invitation 1 HOAs Friends - COAA Calls to Release Political Detainees in Sudan| Invitation 1 HOAs Friends 65: منظمة العفو الدولية تؤكد استمرار النظام السوداني الشمولي الارهابي في ارتكاب الجرائم وانتهاك حقوق الانسان| Invitation 1 HOAs Friends 77: استمرار انهيار حقوق الانسان في السودان| Invitation 1 HOAs Friends 83: النظام السوداني الشمولي الارهابي المهووس ما يزال يشدد من سياسة الاعتقالات بدون محاكمات| Invitation 1 HOAs Friends 85: جهاز الأمن السوداني يعذب ناشط حقوقي بسلك كهربائي ويضرب في الخصيتين حتى يتبول دما| Invitation 1 HOAs Friends 100: بينما تتصاعد المعارك في دارفور، منظمة العفو الدولية تجدد الدعوة الي تحقيق في هجمات كيماوية هناك| Invitation 1 HOAs Friends 105: المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية تقول ان السلام والأستقرار لن يتحقق في دارفور الا بمحاكمة مجرمي الحرب| Invitation 1 HOAs Friends 114: نظام عمر البشير الاسلامي الارهابي يرتكب مجزرة جديدة في معسكر كلما للنازحين في دارفور Comments| Invitation 1 HOAs Friends 118: مافيا النظام الارهابي السوداني تتاجر بالبشر| Invitation 1 HOAs Friends 125: جهاز أمن النظام الشمولي السوداني يستدعي ناشطتين سودانيتين من المعارضة| Invitation 1 HOAs Friends 128: الأمن السوداني يخدع الإعلام| Invitation 1 HOAs Friends 130: كيف يعتدي جهاز الأمن السوداني على النشطاء والصحفيين في القاهرة؟| Invitation 1 HOA's Friends 141: النظام الشمولي الاسلامبوتيكي ينشر أمن بتخصصات وتوزيع استراتيجي في أوروبا ويتخذ من الجاليات غطاءً له| Invitation 1 HOA's Friends 142: ما يُسمي بلجنة جالية بعض السودانيين في كوبنهاغن... او جالية الكيزان|

Click here to post comments

Join in and write your own page! It's easy to do. How? Simply click here to return to Invitation 1 - HOA's Friends.

"Follow", "like", "tweet", or "pin" the pictures to express your love! Thanks





Sudanese Journalist, poet, write and human and political activist Khalid Mohammed Osman

Political Tragedy of Horn of Africa

Love in the Internet Time on iTunes

Rising of the Phoenix on iTunes

The French & Spanish Versions

You can work the French versions and the Spanish versions of the two books above with me on, one on one bases. Contact Us.

HOAs Political Poetry Imaged

Up, you can like, pin, share and enjoy Arabic poetry on beautiful images.

Down, you can get the books and enjoy reading poetry, politics and stories.

My Books!

Publish Your Book

Let's be the publishers of your book. Use the form at Contact Us.




Work From Home With SBI!