تارتوف السوداني

by طبيب

hoa-politicalscene.com/are-you-intellectual44.html: Are You Intellectual 44: تارتوف السوداني

hoa-politicalscene.com/are-you-intellectual44.html: Are You Intellectual 44: تارتوف السوداني

إنفصام الشخصية المجتمعية


هذا المقال يناقش ظاهرة ما يسميه علماء الاجتماع انفصام الشخصية المجتمعية (social schizophrenia) والذي اصبح طابع عام في مجتمعاتنا العربية وخاصة المجتمع السوداني. وهي ظاهرة تعكس الجهل التام بجوهر الأديان السماوية (holy ignorance)

على مدى سنوات، عملت فى هيئة حكومية كبرى تضم آلاف العاملين. وفى اليوم الأول بينما كنت أعالج أحد المرضى، انفتح باب العيادة وظهر شخص، قدم نفسه باسم الدكتور حسين الصيدلى، ثم دعانى لأداء صلاة الظهر جماعة، فاعتذرت حتى أنتهى من عملى ثم أؤدى الصلاة... ودخلنا فى مناقشة كادت تتحول إلى مشادة، لأنه أصر على أن أترك المريض لألحق بالصلاة، وأصررت على استئناف العمل.

اكتشفت بعد ذلك أن أفكار الدكتور حسين شائعة بين كل العاملين فى الهيئة. كانت حالة التدين على أشدها بينهم. العاملات كلهن محجبات، وقبل أذان الظهر بنصف ساعة على الأقل ينقطع العاملون جميعا تماما عن العمل، ويشرعون فى الوضوء وفرش الحصير فى الطرقات، استعدادا لأداء صلاة الجماعة. بالإضافة طبعا إلى اشتراكهم فى رحلات الحج والعمرة التى تنظمها الهيئة سنويا.

كل هذا لم أكن لأعترض عليه، فما أجمل أن يكون الإنسان متدينا، على أننى سرعان ما اكتشفت أن كثيرا من العاملين بالرغم من التزامهم الصارم بأداء الفرائض، يرتكبون انحرافات جسيمة كثيرة بدءا من إساءة معاملة الناس والكذب والنفاق وظلم المرؤوسين وحتى الرشوة ونهب المال العام.

بل إن الدكتور حسين الصيدلى الذى ألح فى دعوتى للصلاة، تبين فيما بعد أنه يتلاعب فى الفواتير ويبيع أدوية لحسابه... إن ما حدث فى تلك الهيئة يحدث الآن فى السودان كله... مظاهر التدين تنتشر فى كل مكان، لدرجة جعلت معهد جالوب الأمريكى، فى دراسة حديثة له، يعتبر السودانيين أكثر الشعوب تدينا على وجه الأرض... وفى نفس الوقت، فإن السودان يحتل مركزا متقدما فى الفساد والرشوة والتحرش الجنسى والغش والنصب والتزوير..

لابد هنا أن نسأل:

كيف يمكن أن نكون الأكثر تدينا والأكثر انحرافا فى نفس الوقت؟

فى عام 1664، كتب الكاتب الفرنسى الكبير موليير مسرحية اسمها تارتوف، رسم فيها شخصية رجل دين فاسد يسمى تارتوف، يسعى إلى إشباع شهواته الإنسان الرخيصة وهو يتظاهر بالتقوى... وقد ثارت الكنيسة الكاثوليكية آنذاك بشدة ضد موليير ومنعت المسرحية من العرض خمسة أعوام كاملة... وبرغم المنع، فقد تحولت مسرحية تارتوف إلى واحدة من كلاسيكيات المسرح، حتى صارت كلمة تارتوف فى اللغتين الإنجليزية والفرنسية، تستعمل للإشارة إلى رجل الدين المنافق.

والسؤال هنا: هل تحول ملايين السودانيين إلى نماذج من تارتوف؟

أعتقد أن المشكلة فى السودان أعمق من ذلك.. فالسودانيين متدينون فعلا عن إيمان صادق.. لكن كثيرا منهم يمارسون انحرافات بغير أن يؤلمهم ضميرهم الدينى. لا يجب التعميم بالطبع، ففى السودان متدينون كثيرون يراقبون ضمائرهم فى كل ما يفعلونه
ولكن بالمقابل، فإن مئات الشبان الذين يتحرشون بالسيدات فى الشوارع صباح يوم العيد، قد صاموا وصلوا فى رمضان.. ضباط الشرطة الذين يعذبون الأبرياء، الأطباء والممرضات الذين يسيئون معاملة المرضى الفقراء فى المستشفيات العامة، والموظفون الذين يزورون بأيديهم نتائج الانتخابات لصالح الحكومة، والطلبة الذين يمارسون الغش الجماعى، معظم هؤلاء متدينون وحريصون على أداء الفرائض..

إن المجتمعات تمرض كما يمرض الإنسان.

ومجتمعنا يعانى الآن من انفصال العقيدة عن السلوك ..
🎖انفصال التدين عن الأخلاق🎖

وهذا المرض له أسباب متعددة:
أولها النظام الاستبدادى الذى يؤدى بالضرورة إلى شيوع الكذب والغش والنفاق
وثانيا إن قراءة الدين المنتشرة الآن فى السودان إجرائية أكثر منها سلوكية. بمعنى أنها لا تقدم الدين باعتباره مرادفا للأخلاق وإنما تختصره فى مجموعة إجراءات إذا ما أتمها الإنسان صار متدينا.

سيقول البعض إن الشكل والعبادات أركان مهمة فى الدين تماما مثل الأخلاق.. الحق أن الأديان جميعا قد وجدت أساسا للدفاع عن القيم الإنسانية:
الحق والعدل والحرية.. وكل ما عدا ذلك أقل أهمية ... المحزن أن التراث الإسلامى حافل بما يؤكد أن الأخلاق أهم عناصر الدين. لكننا لا نفهم ذلك أو لا نريد أن نفهمه.

هناك قصة شهيرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما قابل رجلا ناسكا منقطعا للعبادة ليل نهار... فسأله:
ـ من ينفق عليك.؟.
قال الرجل:
ـ أخى يعمل وينفق علىّ..
عندئذ قال صلى الله عليه وسلم:
أخوك أعبد منك..

والمعنى هنا قاطع وعظيم .. فالذى يعمل وينفق على أهله أفضل عند الله من الناسك المنقطع للعبادة لكنه لا يعمل.

إن الفهم القاصر للدين سبب رئيسى فى تردى الأوضاع فى السودان على مدى عشرين عاما، امتلأت شوارع السودان ومساجدها بملايين الملصقات تدعو المسلمات إلى الحجاب ..
لو أننا تخيلنا أن هذه الملصقات كانت تدعو، بالإضافة للحجاب، إلى رفض الظلم الواقع على السودانيين من الحاكم أو الدفاع عن حقوق المعتقلين أو منع تزوير الانتخابات..
لو حدث ذلك لكانت الديمقراطية تحققت فى السودان ولانتزع السودانيين حقوقهم من الاستبداد..

إن الفضيلة تتحقق بطريقتين لاثالث لهما: إما تدين حقيقى مرادف تماما للأخلاق. وإما عن طريق الأخلاق وحدها حتى ولو لم تستند إلى الدين...

مثال فى عام 2007.. وبغرض تجميل وجه النظام الليبى أمام العالم.. تم تنظيم جائزة أدبية عالمية تقام سنويا ، بقيمة حوالى مليون دولار، باسم جائزة القذافى لحقوق الإنسان.. وتم تشكيل لجنة من مثقفين عرب كبار لاختيار كل عام كاتبا عالميا لمنحه الجائزة.. وفي العام الاول قررت اللجنة منح الجائزة للكاتب الإسبانى الكبير خوان جويتيسولو البالغ من العمر 78 عاما..

ثم كانت المفاجأة: فقد أرسل جويتيسولو خطابا إلى أعضاء اللجنة يشكرهم فيه على اختياره للفوز بالجائزة، لكنه أكد فى نفس الوقت أنه لا يستطيع، أخلاقيا، أن يتسلم جائزة لحقوق الإنسان من نظام القذافى الذى استولى على الحكم فى بلاده بانقلاب عسكرى ونكل، اعتقالا وتعذيبا، بالآلاف من معارضيه...

رفض الكاتب جويتيسولو جائزة بحوالى مليون دولار، لأنها لا تتفق مع ضميره الأخلاقى... هل نسأل هنا: كم مثقف أو حتى عالم دين فى السودان كان سيرفض الجائزة؟ ومن هو الأقرب إلى ربنا سبحانه وتعالى؟

هذا الكاتب الشريف الذى أثق فى أن الدين الاسلامي لم يخطر على باله وهو يتخذ موقفه الشجاع النبيل، أم عشرات المتدينين السودانيين الذين يتعاملون مع الأنظمة الاستبدادية ويضعون أنفسهم فى خدمتها متجاهلين تماما الجرائم التى ترتكبها تلك الأنظمة فى حق شعوبها.

إن التدين الحقيقى يجب أن يتطابق مع الأخلاق...
وإلا... فإن الأخلاق بلا تدين أفضل بكثير من التدين بلا أخلاق...



* You are at Are You Intellectual 44: تارتوف السوداني.

* Read the entry page at HOA Political Scene 29.

This is one of the issues of the HOA Political Scene Newsletter, so why not subscribe to it. Take the gifts on the second page, when you confirm your subscription.

* Read other WhatsApp articles at: HOA WhatsApp Political Dialogue| WhatsApp Cultural Chat| WhatsApp Educational Chat| Whatsapp Memories| حوار سياسة في واتساب جات WhatsApp political chat|

* Read more Arabic pages at:

Arabic HOA| Arabic HOA Political Scene| Arabic Short Story| Asmara| Assessment to the Skills and Competencies of Sudanese Abroad| Bilingual HOA| Caligula the Sudanese| Comment C2 Entries| Directive| Eritrean Anecdotes| Eritrean Chronicle| Eritrean Stories| Etiolate Life| Final Resume| Flesh of the Night| Flesh of the Night Comments| Freedom Bells| Her Lips Draw the Dream| HOA| HOA Calls| HOA Political Scene Newsletter| HOAs Animation Gallery| HOAs Arabic Prose| HOAs Comprehensive Projects| HOAs Cultural Project| HOAs Design Gallery| HOAs Gallery| HOAs Imagery Poems| HOAs Images| HOAs Image Scripture| HOAs Journalists| HOAs Journalists Project| HOAs Literary Scripture| HOAs Literary Works| HOAs Literature|

Click here to post comments

Join in and write your own page! It's easy to do. How? Simply click here to return to Are You Intellectual?.

"Follow", "like", "tweet", or "pin" the pictures to express your love! Thanks

Journalist Khalid Osman




HOAs Political Poetry Imaged

Up, you can like, pin, share and enjoy Arabic poetry on beautiful images.

Down, you can get the books and enjoy reading poetry, politics and stories.

My Books!

Poet Khalid Osman's poetry, Rising of the Phoenix
Poet Khalid Osman, Rising of the Phoenix, Arabic poetry
Publish Your Book

Let's be the publishers of your book. Use the form at Contact Us.




Writer Khalid Osman's Book, Love in the Internet Time
Writer Khalid Osman's book, Political Tragedy of the Horn of Africa
Work From Home With SBI!