معارك صحفية في الدولة الإرترية الحديثة

by خالد محمد عثمان

الجزء الأول من هذا المقال هو علي صفحة معارك صحفية في الدولة الإرترية الحديثة 1.


عود علي بدء:

تأتي مسألة تحرير التراب الإرتري و السنوات الأولي في اوائل التسعينات بمثابة الأمل الوليد ليس لإرتريا و إثيوبيا فحسب بل لدول أخري في القرن الأفريقي لتتحرر من الأوهام و الطوائف التي تتحكم في السلطات السياسية علي حساب الشعوب، و الدوائر الشريرة للإنقلابات العسكرية و التكلس خلف العقائد التي تتدخل في السياسة و تسعي لهيمنة الإقطاع الجديد.

و في حقيقة الأمر كان ذلك يمثل محركا تاريخيا محرضا للقوي التي شاركتها الجبهة الشعبية لتحرير إرتريا إسقاط نظام الشيوعية المدعاة في إثيوبيا للتمسك بالمواقف المبدائية و بالتالي التنسيق مع حليف الأمس لاحراز كثير من المكاسب الحيوية بالنسبة لإثيوبيا و للتأثير علي دول شمولية أخري في المنطقة و تحريك الكوامن الثورية فيها للثورة علي إحباطات الماضي المعروف و فرملة التنظيمات الإرهابية. و في هذا الإطار جاءت كتاباتي الصحفية وقتها لتعزيز التواصل و التلاحم الأثيو-رتري لإنجاز أهداف الشعوب في البلدين و في كامل منطقة القرن الافريقي.

كانت اسمرا مدينة رائعة تنهض من كابوس مخيف في السنوات الأولي في التسعينات. لا، بل كانت طفلة تغادر طفولتها و قد تكوّر الليمون علي صدرها و توهجت شفتاها بذلك الندي المخيف و انطلق الألق من عينيها الرائعتين لينحدر الشباب و الشيوخ من الرموش الي كل فج عميق يشاركون في أنشودة المرحلة التي أسميناها (إعادة البناء و التعمير). عشر سنوات من عمري لهذه المشاركة لم تكن شيئا صعبا. بل كنت أجد لذة روحية في ذلك متجاهلا كل الفاكسات و كل محاولات الحصول علي فيزا للعودة لبلاد النفط في الخليج لتحسين أوضاعي المالية و التي تواصلت طيلة السنوات العشر و كانت تلك الفاكسات ترد عبر مكتب أثنين من كبار الدولة هما الأمين العام و أمين الشؤون السياسية. كان الأمين العام يقول لي ما معناه (أنا متأكد تماما من إيمانك بهذا الشعب و نحن عرفناك في السبعينات في الكويت و مثلك لا يريد مالا من هذه الدنيا)

كنت لا أري سوي الحب الأبوي لهذه الطفلة التي غادرت طفولتها... نعم و أحيانا الرغبة في التوحد و التصوف في جسد حبشي يثمر بُناً و (عنبابا) و بخورا و (سوا) و (انجيرا) و أهم من هذا و ذاك أطفال خُضر مثلها اليوم و شباب حمر غدا.

و كانت اسمرا بذلك الطقس الاوروبي الرائع و الألق البهي تفجّر الإلهام و تهب الأمل في غدٍ زاهر يشع من إرتريا ليغمر مدنا أخري في القرن الافريقي تعيش علي الخرافة و الأوهام و فشل التجارب السياسية المريرة التي حصدت أرواح خيرة الشباب المناضلين فيها. كانت تفجِّر الإلهام لتجاوز الأخطاء التي جعلت السودان مثلا يفقد أفضل المناضلين السياسيين في افريقيا مثل الشفيع احمد الشيخ و عبد الخالق محجوب و جوزيف قرنق و جعلت الصومال يتمزق و يلعق جراح القبلية و أخيرا التطرف الديني. و كنت وقتها قد بدأت أكتب عن كل هذه الجراحات و اقترح إيقاف النزيف بالخروج من جبة القبيلة و الطائفة و الدين لبناء الدولة الحديثة التي تلمّ كل المبادئ السامية للأديان و تفصل بينها و بين التحكّم في الدولة في ذات الوقت.

كانت سفارة النظام السوداني الإرهابي الشمولي تحاول إستغلال عفاف هذه الطفلة التي خرجت لتوها من جحيم الإرهاب و الحرب و كانت تمدّ خيوط المؤامرة لتجنيد عناصر إرترية من الداخل مستقلة إنشغال الدولة الحديثة بالترتيب للإستفتاء و إعادة البناء و التعمير. لهذا فقد كانت ترصد عددا من السودانيين لا يتجاوزون عدد أصابع اليد الواحدة في إرتريا و تحاول إمتحان قدراتهم من خلال ترغيبهم بحوافز مالية و إرهابهم أحيانا. فوجئ أحد عناصر الأمن في السفارة بوجودي في جريدة إرتريا عندما جاء زائرا في واحدة من المرات. كان ظن الأمن انني لن أستطيع الهروب عبر الحدود و حتي لو استطعت فلن استطيع الهروب من إرتريا. أما ان يجدني أحد عناصرهم في الجريدة الرسمية و أدعوه الي مكتبي فيها فقد كان بالنسبة له أمرا لا يُصدق. و كنت أري الدهشة في عينيه رغم انه حاول إخفائها و هو يسألني (يا زول وصلت متين و عملت ليك مكتب؟). حينها أعطيته درسا في الأخلاق و الأمن أيضا مبتدئا بردي علي سؤاله (أولا علموا صعاليكم ديل يحترموا ذكاء الناس و يعاملوهم بأخلاق!) حديث كثير جري حول هذا الأمر ليس هذا مجاله. و لكن بذل ذلك المسؤول و جهات أخري في السفارة محاولات شتي لإستمالتي فشلت جميعها. وبدأ ذلك المسؤول الأمني يأتي لزيارة فتاة قدمت لتوها من السودان و عملت في الإعلام فما كان مني الا ان أحذرها منه و من كامل عناصر السفارة. و لم أحفل بعد ذلك بهذا الأمر وو اصلت مجهوداتي لفتح آفاق جديدة في الصحافة الإرترية بعد التحرير في 1991م و شملت التغطيات الصحفية مجالات لم تكن معروفة للإعلام و فتح التحرير الصحفي العلمي المجال لكثير من الزملاء الذين إستفادوا من ذلك المنهج و مازالوا يشكرونه.

كانت اسمرا ملهمة فعلا و كانت طبيعتها تحرِّض علي الإبداع لذلك لم يكن غريبا ان تضفي نكهة مميزة علي كتاباتي الصحفية. كثيرون من الزميلات و الزملاء كانوا يأتون لسؤالي عن كيف يبدأون هذا العمل الإعلامي، هذا الحوار الصحفي و هذا التحقيق الصحفي. و كان قلبي يسعهم جميعا. كنت و ما أزال أحبهم جميعا فعلا لا قولا. حتي آخرون تأثروا بعبارات بليغة كنت أطلقها مثل وصفي لأول ليلة إحتفالية بالشهداء في مدينة كرن المحاطة بالجبال. كان داشم مسقنا قد غني في تلك الليلة و سألني في الصباح عن رأيي في الغناء... أجبته قائلا (لم أسمعك تغني) و عندما رأيت الدهشة في عينيه بددت حيرته بقولي (بل سمعت الغناء ينبعث من فرائص الجبل). و شرحت له بعد ذلك كيف ان الجبال كانت تردد صدي اغانيه و كنت أنا أرخي مسامعي لذلك الصدي البديع و أحس بنفسي و قد تبددت في تفاصيل تلك الجبال الشامخة... يا أخي حفنة أنا من ترابكم غدا تعود لأصلها.

سأل مسؤول كبير وقتها و هو يري كل تلك الفعاليات و يا ليتهم يكتبون ما كانوا يقولون حتي لا يخرج مني شخصيا فيُعتبر تمجيدا للذات لا أقصده البتّة، بقدر ما أقصد تسجيل وقائع عامة غير شخصية تتعلق بشعب و دولة حديثة و تنظيم سياسي، أقول سأل ذلك الزميل (معقول الزول دا سوداني؟) هو بطبيعة الحال كان يعرف بعض الظواهر الخاصة بالإحتفاءات الشخصية و يعرف نكران الذات و يعرف التسيّب و المحسوبية و الفساد السياسي الذي تمتعت به الأنظمة السياسية في السودان ولا شك، لذلك فقد سأل أحد زملائه الكبار ذلك السؤال.

كنت أسمعهم يقولون الكثير و الذي لم تتمّ كتابته حتي الآن رغم انه يتناول العمل الشعبي العام الذي استغرقني عشر سنوات من الحب في إرتريا و قبلها عدد من سنوات الحب للثورة الإرترية في السبعينات في الخليج. كثيرون من زملائي لم يكونوا وقتها يعرفون هذه العلاقة الثورية و آخرون حتي عندما عرفوا لم يفهموا كيف يمكن ان يوجد صحفي سوداني في المكتب المركزي للحزب الحاكم و كأنهم لم يسمعوا بجيفارا او فانون و أنا بطبيعة الحال لا أقارن نفسي بهؤلاء انما قصدت ان أشير الي فكرة الإستراتيجيات في التحالفات السياسية. و كان بعضهم يذهب الي القول بانني اؤثر جانبا من التنظيمات و أحيانا الإنتماءات (لغوية و دينية) علي جانب آخر خاصة عندما بدأت كصحفي متخصص في كتابة الأعمدة عمودا في جريدة الشباب بعناوين تقرينية معربة. و كان ذلك العمود الصحفي يجمع بين قالب التعبير سخرية لاذعة تتناول بعض المشاهدات في الشارع العام و يحيلها الي ما يشبه التراجيكوميدي.



اقرأ مزيدا من الصفحات علي الروابط التالية

Arabic HOA Political Scene| Arabic HOA Political Scene| Drama Rules Some Eritreans| Eastern Sudan Feeds Israel by Human Power| Eri-Ethio Mixed Families| Eri-Ethio Mixed Families Comments| Eritrea and Libya: The Same Fate for Eritrean Refugees| Eritrea and Libya: The Same Fate for Eritrean Refugees Comments| Eritrea and NGOs| Eritrea Country Profile| Eritrean Anecdotes| Eritrean Chronicle| Eritrean Exodus| Eritrean Exodus Comments| Eritrean Forums Online| Eritrean Humanitarian Topics| Eritreans Love Commentaries| Eritrean Political Articles| Eritrean Political Comments| Eritrean Refugees| Eritrean Refugees in Ethiopia| Eritrean Refugees Situation is Late to Attract Attention| Eritrean Stories| Eritreans Write Online| Ethiopian - Eritrean Refugees are Disappointed| EU Plays Hide and Seek Politics with Refugees in Libya| 15 Eritreans Are in Danger of Deportation from Libya| Free Detained Eritrean Journalists| How to Contribute to Eritrea and NGOs| Write about Eritrea| معارك صحفية في الدولة الإرترية الحديثة 2|

Click here to post comments

Join in and write your own page! It's easy to do. How? Simply click here to return to Invitation to Comment.

"Follow", "like", "tweet", or "pin" the pictures to express your love! Thanks

Journalist Khalid Osman




HOAs Political Poetry Imaged

Up, you can like, pin, share and enjoy Arabic poetry on beautiful images.

Down, you can get the books and enjoy reading poetry, politics and stories.

My Books!

Poet Khalid Osman's poetry, Rising of the Phoenix
Poet Khalid Osman, Rising of the Phoenix, Arabic poetry
Publish Your Book

Let's be the publishers of your book. Use the form at Contact Us.




Writer Khalid Osman's Book, Love in the Internet Time
Writer Khalid Osman's book, Political Tragedy of the Horn of Africa
Work From Home With SBI!